فخر الدين الرازي
166
تفسير الرازي
وثانيتهما : كلمة * ( على ) * وهي للوجوب في قوله * ( ولله على الناس ) * ورابعها : أن ظاهر اللفظ يقتضي إيجابه على كل إنسان يستطيعه ، وتعميم التكليف يدل على شدة الاهتمام وخامسها : أنه قال * ( ومن كفر ) * مكان ، ومن لم يحج وهذا تغليظ شديد في حق تارك الحج وسادسها : ذكر الاستغناء وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان وسابعها : قوله * ( عن العالمين ) * ولم يقل عنه لأن المستغني عن كل العالمين أولى أن يكون مستغنياً عن ذلك الإنسان الواحد وعن طاعته ، فكان ذلك أدل على السخط وثامنها : أن في أول الآية قال : * ( ولله على الناس ) * فبيّن أن هذا الإيجاب كان لمجرد عزة الإلهية وكبرياء الربوبية ، لا لجر نفع ولا لدفع ضر ، ثم أكد هذا في آخر الآية بقوله * ( فإن الله غني عن العالمين ) * ومما يدل من الأخبار على تأكيد الأمر بالحج ، قوله عليه الصلاة والسلام : " حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالث " وروي " حجوا قبل أن لا تحجوا حجوا قبل أن يمنع البر جانبه " قيل : معناه أنه يتعذر عليكم السفر في البر في مكة لعدم الأمن أو غيره ، وعن ابن مسعود " حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا هلكت " . قوله تعالى * ( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِاَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يأَهْلَ الْكِتَاب لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) * . إعلم أن في كيفية النظم وجهين الأول : وهو الأوفق : أنه تعالى لما أورد الدلائل على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام مما ورد في التوراة والإنجيل من البشارة بمقدمه ، ثم ذكر عقيب ذلك شبهات القوم . فالشبهة الأولى : ما يتعلق بإنكار النسخ . وأجاب عنها بقوله * ( كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه ) * ( آل عمران : 93 ) . والشبهة الثانية : ما يتعلق بالكعبة ووجوب استقبالها في الصلاة ووجوب حجها .